محمد عزة دروزة
183
التفسير الحديث
خالق أفعاله وإن اللَّه يقدرها عليه من الأزل تقديرا لا حيلة له فيه . والذين يقولون إنه خالق كل شيء ومقدره ومن ذلك أفعال العباد . والآيات في أصلها حكاية لقول المشركين وردّ عليهم وتكذيب لهم . ومع ذلك فنحن نرى فيها على ضوء الشرح الذي شرحناه بها والذي نرجو أن يكون الصواب ردا مستمر التلقين على كل من يريد أن يقرر أن القرآن يؤيد فكرة التحتيم الجبري الأزلي على الناس في تصرفاتهم وأفعالهم . وعلى كل من يحاول التنصل من مسؤولية ما يقترفه من آثام بحجة أن هذا مكتوب عليه وأن اللَّه لو لم يشأ فإنه لا يكون . وفي الآية الأولى نصا وروحا قرينة على أننا على صواب إن شاء اللَّه حيث حكت حجة المشركين التي عمدوا إليها بأسلوب تنديدي وتسفيهي وأنكرتها إنكارا شديدا وأرجعتها إلى الروح الخبيثة التي يصدر عنها المشركون المكابرون المكذبون في كل ظرف ومكان وهي روح التعطيل والمراوغة والجدل والمكابرة . وفي الآية نكتة لاذعة ، فالمشركون حاولوا أن يقيموا الحجة على النبي صلى اللَّه عليه وسلم بقولهم لو شاء اللَّه ما أشركنا والقرآن يردّ عليهم ويقول إن الحجة البالغة للَّه تعالى فهو لو شاء لهداهم ولكنه تركهم لاختيارهم لتكون حجته هي الدامغة وتدحض بذلك حجتهم . فاللَّه لا يمكن أن يشاء لهم الشرك وإنما يدعوهم إلى الإيمان فإذا كانوا اختاروا الشرك وتقاليده فذلك من حثهم وعدم ارعوائهم لدعوة الحق . ومن تحصيل الحاصل أن نقول إن في كل ما تقدم تقبيحا قرآنيا مستمرا لهذه الروح ودعوة للمسلمين إلى النفرة منها . ولقد تكرر هذا في القرآن كثيرا ومرت أمثلة منه في سور سبق تفسيرها . ولا نرى هذا متنافيا مع واجب الإيمان بما قرره القرآن بأساليب متنوعة بأن مشيئة اللَّه هي النافذة في كونه وخلقه وعباده . ولقد قلنا في مناسبة سابقة بأنه جعل الاختيار والكسب للناس لتحميلهم مسؤولية أعمالهم في الأصل من مشيئة اللَّه أيضا وأن اللَّه لا يمكن أن يشاء لعباده الكفر والكذب والتكذيب لآياته ورسله وقد رتب عليهم الجزاء الذي يستحقه ذلك وهذا مما يصح أن يورد في هذا المقام أيضا . واللَّه أعلم .